أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

48

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

غاب ، ومنه الرّوض العازب ، قال أبو تمام : 2624 - وقلقل نابي من خراسان جاشها * فقلت اطمئني أنضر الرّوض عازبه « 1 » وقيل للغائب عن أهله عازب ، حتى قالوا لمن لا زوج له : عازب . وقال الرّاغب : العازب المتباعد في طلب الكلإ ، ويقال : رجل عزب ، وامرأة عزبة وعزب عنه حلمه ، أي : غاب ، وقوم معزبون ، أي : « عزبت عنهم إبلهم » . وفي الحديث : « من قرأ القرآن في أربعين يوما فقد عزّب » « 2 » . أي : فقد بعد عهده بالختمة . وقال قريب منه الهروي فإنه قال : أي : « بعد عهده بما ابتدأ منه ، وأبطأ في تلاوته » ، وفي حديث أمّ معبد « 3 » : « والشّاء عازب حبال » « 4 » . قال : « فالعازب البعيد الذّهاب في المرعى والحائل التي ضربها الفحل فلم تحمل لجدوبة السّنة » . وفي الحديث : « أصبحنا بأرض عزوبة صحراء » « 5 » . أي : بعيدة المرعى ، ويقال للمال الغائب : عازب ، وللحاضر : عاهن . والمعنى في الآية وما يبعد أو ما يخفى أو ما يغيب عن ربك و « مِنْ مِثْقالِ » فاعل ، و « مِنْ » مزيدة فيه أي : ما يبعد عنه مثقال . والمثقال هنا اسم لا صفة ، والمعنى به الوزن ، أي : وزن ذرة . قوله : « وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ » قرأ حمزة برفع راء « أصغر » و « أكبر » والباقون بفتحها ، فأما الفتح ففيه وجهان : أحدهما : وعليه أكثر المعربين - : أنه جر ، وإنما كان بالفتحة ، لأنه لا ينصرف للوزن والوصف والجر لأجل عطفه على المجرور ، وهو إما « مِثْقالِ » ، وإما « ذَرَّةٍ » . وأما الوجه الثاني : فهو أن « لا » نافية للجنس و « أَصْغَرَ » و « أَكْبَرَ » اسمها فهما مبنيان على الفتح . وأما الرفع فمن وجهين أيضا . أشهرهما : - عند المعربين - : العطف على محل « مِثْقالِ » إذ هو مرفوع بالفاعلية ، و « مِنْ » مزيدة فيه كقولك : « ما قام من رجل ولا امرأة » . بجر امرأة ورفعها . والثاني : أنه مبتدأ ، قال الزمخشري : « والوجه النصب على نفي الجنس ، والرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه ، وفي العطف على محل : « مِثْقالِ ذَرَّةٍ » أو على لفظ « مِثْقالِ ذَرَّةٍ » فتحا في موضع الجر لامتناع الصرف إشكال ، لأن قولك : لا يعزب عنه شيء إلا في كتاب مشكل انتهى . وهذان الوجهان اختيار الزجاج . وإنما كان هذا مشكلا عنده ، لأنه يصير التقدير : إلا في كتاب مبين فيعزب وهو كلام لا يصح ، وقد يزول هذا الإشكال بما ذكره أبو البقاء ، وهو أن يكون « إِلَّا فِي كِتابٍ » استثناء منقطعا قال : « إِلَّا فِي كِتابٍ » أي : إلّا هو في كتاب ، والاستثناء منقطع ، وقال الإمام فخر الدين - بعد حكاية الإشكال المتقدم - : أجاب بعض المحققين من وجهين ، أحدهما : أن الاستثناء منقطع ، والآخر : أن العزوب عبارة عن مطلق البعد والمخلوقات قسمان : قسم أوجده اللّه ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسماوات والأرض . وقسم أوجده بواسطة ، القسم الأول مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، وهذا قد يتباعد في سلسلة العلّة والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود . فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده

--> ( 1 ) أنظر ديوانه ( ) . ( 2 ) ذكره ابن الأثير في نهاية غريب الحديث ( 3 / 227 ) . ( 3 ) هي عاتكة بنت خالد الخزاعية الكعبية أنظر أسد الغابة 1 / 446 الإصابة 4 / 497 . ( 4 ) ذكر ابن الأثير في المصدر السابق وقال أي يعيده المري لا تأوي إلى المنزل في الليل . والحيال جمع حائل وهي التي لم تحمل . ( 5 ) أنظر المصدر السابق . م « عزب » .